المقريزي
191
إمتاع الأسماع
طعاما فليقل : اللهم بارك لنا فيه وأطعمنا خيرا منه ، ومن سقاه الله لبنا فليقل اللهم بارك لنا فيه وزدنا منه . وقال : ليس شئ يجزي مكان الطعام والشراب غير اللبن وشرب النبيذ الحلو ( وهو الماء الذي قد نقع فيه تمرات يسيرة حتى يحلو ) ، وكان يلبس الصوف وينتعل بالمخصوف ، ولا يتأنق في ملبس ، ويحب من اللباس الحبرة ( وهي برود من اليمن فيها حمرة وبياض ) . وأحب الثياب إليه القميص ، وكان يقول إذا لبس ثوبا استجده اللهم لك الحمد كما ألبستنيه ، أسألك خيره وخير ما صنع له ، وأعوذ بك من شره وشر ما صنع له . وتعجبه الثياب الخضر ، وربما لبس الإزار الواحد . أو عليه غيره ، يعقد طرفه بين كتفيه ، ويلبس يوم الجمعة برده الأحمر ويعتم ويلبس خاتما من فضه نقشه ( محمد رسول الله ) في خنصره الأيمن ، وربما لبسه في الأيسر . ويحب الطيب ويكره الرائحة الكريهة ، ويقول : إن الله جعل لذتي في النساء والطيب ، وجعلت قرة عيني في الصلاة ، وكان يتطيب بالفالية والمسك ويتطيب بالمسك وحده ، ويتبخر بالبخور والكافور ، ويكتحل بالأثمد ، وربما اكتحل وهو صائم ، ويكثر دهن رأسه ولحيته ، ويدهن غبا ( 1 ) ويكتحل وترا ، ويحب التيمن في ترجله وفي تنعله وفي طهوره وفي شانه كله . وينظر في المرآة ، ولا تفارقه قارورة الدهن في سفره ، والمرآة والمشط والمقراض والسواك والإبرة والخيط ، ويستاك في ليله ثلاث مرات : قبل نومه وبعده ، وعند القيام لورده ، وعند القيام لصلاة الصبح ، وكان يحتجم . وكان يمزح ولا يقول إلا حقا ، قد جمع الله له كمال الأخلاق ومحاسن الأفعال ، وأتاه علم الأولين والآخرين ، وما فيه النجاة والفوز وهو أمي لا يكتب ولا يقرأ ، ولا معلم له من البشر ، بل نشأ في بلاد الجهل والصحاري ، وآتاه الله ما لم ( 2 ) يؤت أحدا من العالمين ، واختاره على الأولين والآخرين ، وعصمه من الناس . ورفع له ذكره ، وضمن له إظهار دينه على الدين كله . وجعل شانئه الأبتر ، وأعزه بالنصر على كل عدو ، وأوجب طاعته على جميع الإنس والجان ، وأكرمه برسالته ، وأمنه .
--> ( 1 ) الغب ( بكسر الغين وتشديد الباء ) اليوم بعد اليوم . ( 2 ) في ( خ ) ( مل لم )